الغزالي

124

إحياء علوم الدين

ودخل وهب بن منبه ، وطاوس ، على محمد بن يوسف أخي الحجاج ، وكان عاملا . وكان في غداة باردة في مجلس بارز . فقال لغلامه ، هلم ذلك الطيلسان وألقه على أبي عبد الرحمن أي طاوس ، وكان قد قعد على كرسي . فألقى عليه ، فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه . فغضب محمد بن يوسف . فقال وهب . كنت غنيا عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان وتصدقت به . قال نعم ، لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس ولا يصنع به ما أصنع به إذن لفعلت الغائلة الثالثة : أن يتحرك قلبك إلى حبه ، لتخصيصه إياك وإيثاره لك بما أنفذه إليك . فإن كان كذلك فلا تقبل . فإن ذلك هو السم القاتل ، والداء الدفين ، أعنى ما يحبب الظلمة إليك . فإن من أحببته لا بد أن تحرص عليه ، وتداهن فيه . قالت عائشة رضي الله عنها جبلت النفوس على حب من أحسن إليها . وقال عليه السلام [ 1 ] « اللَّهمّ لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبّه قلبي » بيّن صلَّى الله عليه وسلم أن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك وروى أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم ، فأخرجها كلها فأتاه محمد بن واسع ، فقال ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق ؟ قال سل أصحابي . فقالوا أخرجه كله . فقال أنشدك الله ، أقلبك أشد حباله الآن أم قبل أن أرسل إليك ؟ قال لا بل الآن . قال إنما كنت أخاف هذا . وقد صدق . فإنه إذا أحبه أحب بقاءه ، وكره عزله ونكبته وموته وأحب اتساع ولايته وكثرة ماله . وكل ذلك حب لأسباب الظلم ، وهو مذموم . قال سلمان وابن مسعود رضي الله عنهما ، من رضى بأمر ، وإن غاب عنه ، كان كمن شهده . قال تعالى * ( ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * « 1 » قيل لا ترضوا بأعمالهم ، فان كنت في القوة بحيث لا تزداد حبا لهم بذلك ، فلا بأس بالأخذ وقد حكى عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالا ويفرقها ، فقيل له ألا تخاف أن تحبهم ؟ فقال لو أخذ رجل بيدي وأدخلني الجنة ، ثم عصى ربه ، ما أحبه قلبي ، لأن الذي سخره للأخذ بيدي ، هو الذي أبغضه لأجله شكرا له على تسخيره إياه

--> « 1 » هود : 113